
حول واحدة من كل 15 امرأة في العالم تُصاب نسبة كبيرة من النساء باضطراب الاكتئاب الشديد في السنة التي تلي الولادة، وهو رقم يُبرز حجم مشكلة غالباً ما يتم تجاهلها في رعاية الأمومة. فهو ليس مجرد نوبة عابرة من الحزن، بل هو اضطراب خطير يُمكن أن يؤثر على حياة الأم والطفل والأسرة.
الاكتئاب أثناء الحمل وبعد الولادة ولا يقتصر الأمر على الأيام القليلة الأولى بعد الولادةلكنها قد تستمر لأشهر إذا لم يتم اكتشافها ومعالجتها بشكل مناسب. وقد حللت مراجعة دولية واسعة النطاق نُشرت في مجلة "ذا لانسيت للطب النفسي" هذه الحقيقة بالتفصيل، وقدمت أكثر التقديرات دقة حتى الآن حول مدى انتشار هذا الاضطراب في أوقات مختلفة خلال فترة ما حول الولادة وفي مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك أوروبا الغربية.
تعاني واحدة من كل 15 امرأة من الاكتئاب في السنة التي تلي الولادة.
وفقًا لهذه الدراسة، حوالي 6,8% من النساء تعاني واحدة من كل خمس عشرة امرأة من اضطراب الاكتئاب الشديد في السنة الأولى بعد الولادة. وخلال فترة الحمل، ترتفع هذه النسبة أيضاً: إذ تعاني حوالي 6,2% (واحدة من كل ست عشرة امرأة) من هذا النوع من الاكتئاب السريري.
تُفرّق الدراسة بوضوح بين اضطراب الاكتئاب الشديد والاضطراب المعروف "اكتئاب ما بعد الولادة" أو اكتئاب ما بعد الولادةيُعدّ اكتئاب ما بعد الولادة حالةً خفيفةً وعابرةً شائعةً جدًا في الأيام الأولى بعد الولادة. أما في حالة الاكتئاب الشديد، فتكون الأعراض أكثر حدةً واستمرارًا، وتشمل: حزنًا عميقًا، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وصعوبة في ممارسة الحياة اليومية، وشعورًا بالإرهاق الشديد، وغيرها.
وتشير بيانات المراجعة أيضًا إلى أن لا يتوزع الخطر بالتساوي طوال فترة ما حول الولادةيبلغ معدل انتشار الاكتئاب ذروته في الأسبوعين الأولين بعد الولادة، حيث تتأثر به 8,3% من النساء، ويظل أعلى من المعدل الملاحظ في عموم الإناث طوال فترة الحمل وحتى عام واحد بعد الولادة.
لهذا المنحنى الخطير آثار واضحة على تنظيم الرعاية الصحية: الأسابيع القليلة الأولى بعد الولادة وتبرز هذه الأمور كنافذة حاسمة يُنصح فيها بتكثيف المراقبة، وتقديم دعم محدد، وتسهيل قدرة الأمهات على التعبير عن مشاعرهن دون خوف من الحكم عليهن.
بالمقارنة مع التقديرات السابقة، التي حددت معدل انتشار اكتئاب ما حول الولادة عالميًا بين 14% و17%، يقدم التحليل الجديد أرقامًا أقل نوعًا ما، ولكن أكثر قوة من الناحية المنهجية، من خلال التمييز بين الاضطرابات الخطيرة والتغيرات العاطفية الأقل حدة المرتبطة بالتكيف مع الأمومة.
دراسة عالمية شملت أكثر من مليوني امرأة

وقد قادت الدكتورة أليز جيه. فيراري هذا البحث، في إطار دراسة العبء العالمي للأمراض (GBD)يحلل هذا المشروع الدولي تأثير الأمراض المختلفة على صحة السكان. وقد استعرض الباحثون 780 دراسة من 90 دولة، شملت مجتمعة بيانات لأكثر من مليوني امرأة ومراهقة تتراوح أعمارهم بين 10 و59 عاماً.
أحد الجوانب الرئيسية لهذا العمل هو أن يقيم كيفية قياس الاكتئاب في الأدبيات العلمية السابقة. وقد استندت العديد من الدراسات إلى استبيانات الفرز التي تجمع الأعراض في لحظة محددة، مثل مقياس إدنبرة للاكتئاب بعد الولادة (EPDS) أو مقياس PHQ-9، والتي تستخدم أيضًا على نطاق واسع في الممارسة السريرية اليومية.
ومع ذلك، عند مقارنة هذه الاستبيانات بتشخيصات سريرية أكثر شمولاً، وجد الباحثون أن تميل أدوات الفحص إلى المبالغة في تقدير الانتشار تتراوح نسبة الإصابة بالاكتئاب الشديد بين 71% و122%. أي أنهم في كثير من الحالات يكتشفون حالات محتملة أكثر مما يتم تأكيده لاحقاً من خلال مقابلة تشخيصية منظمة.
لا تعني هذه النتيجة التخلي عن الاستبيانات؛ فهي لا تزال مفيدة للغاية لـ تحديد النساء المعرضات للخطر بسرعةومع ذلك، يؤكد هذا على أهمية عدم الاعتماد كلياً على الانطباع الأول. فالمقابلات التي يجريها متخصصون مدربون تبقى المعيار الذهبي لتأكيد تشخيص اضطراب الاكتئاب الشديد.
ومن المساهمات المهمة الأخرى للدراسة أنها تحلل معدل تكرار الاكتئاب الشديد في ثلاث فترات زمنية مختلفة: أثناء الحمل، في فترة ما حول الولادة (الأسابيع التي تسبق الولادة وتليها مباشرة) وفي السنة الأولى بعد الولادة. وهذا يسمح بصورة أكثر تفصيلاً لكيفية تطور المخاطر والفترات التي تتطلب مراقبة أدق.
بشكل عام، يخلص المؤلفون إلى أنه حتى بعد تعديل التقدير المفرط لاستبيانات الفحص، لا يزال اكتئاب ما حول الولادة أكثر شيوعًا بكثير مقارنة بعموم الإناث، مما يعزز فكرة أن الحمل وفترة ما بعد الولادة هما مرحلتان تتسمان بضعف خاص في الصحة العقلية.
الاختلافات بين المناطق: حالة أوروبا الغربية
يُظهر التحليل أهمية الاختلافات الجغرافية في الانتشار من اضطراب الاكتئاب الشديد في فترة ما حول الولادة. ويبدو أن هذه الاختلافات مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية، وعدم المساواة الهيكلية، ومستويات الدعم الاجتماعي، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، من بين عناصر أخرى.
في أوروبا الغربية، التي تشمل إسبانيا، يبلغ معدل الانتشار المقدر حوالي 5,0% أثناء الحمل وحوالي 5,3% في السنة التي تلي التسليمهذه الأرقام أقل إلى حد ما من المتوسط العالمي، لكنها لا تزال تعكس أن نسبة كبيرة من النساء يعانين من الاكتئاب السريري في هذه المرحلة.
في أمريكا الشمالية، تبلغ المعدلات حوالي 4,3% خلال فترة الحمل و4,6% في السنة الأولى بعد الولادة، وهي أيضاً أقل بقليل من المتوسط العالمي. وعلى النقيض من ذلك، تُسجل أعلى الأرقام في الجزء الجنوبي من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بنسبة انتشار تبلغ 15,6٪ أثناء الحمل و 16,6٪ بعد الولادة.
سجلت المناطق ذات الدخل المرتفع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ أدنى المعدلات في الدراسة، حيث بلغت حوالي 3,1% خلال فترة الحمل و3,3% في السنة التالية. ويشير الباحثون إلى هذه الاختلافات الإقليمية. لا ينبغي تفسيرها من منظور بيولوجي بحت.ولكن أيضاً يعتمد ذلك على ظروف المعيشة، وإمكانية الوصول إلى الموارد، ووجود (أو عدم وجود) شبكات دعم عائلية ومجتمعية.
بالنسبة لأوروبا الغربية ودول مثل إسبانيا، تشير النتائج إلى أنه على الرغم من امتلاكها أنظمة رعاية صحية أكثر تطورا رغم تحسن الوضع في العديد من المناطق الأخرى، لا يزال هناك مجال للتحسين في الكشف عن اكتئاب ما حول الولادة وعلاجه. ويتفق الخبراء على أن توفر بيانات خاصة بكل بلد أمر أساسي لتوجيه السياسات وتخصيص الموارد بكفاءة.
كما تؤكد المراجعة على ضرورة تكييف أدوات الفحص والبروتوكولات السريرية مع كل سياق ثقافي. ليس من المنطقي السؤال عن الأعراض العاطفية. في مركز صحي في مدينة أوروبية كبيرة أكثر من بيئة ريفية ذات موارد أقل، لذا فإن التحقق من صحتها في كل بلد يصبح أمراً أساسياً لتجنب كل من التشخيص الناقص والتشخيص الزائد.
التأثير على الأم والطفل والأسرة
يشير أخصائيو الصحة النفسية في فترة ما حول الولادة إلى أن الاكتئاب أثناء الحمل وبعد الولادة له تأثير تأثير أوسع بكثير من مجرد الشعور بعدم الراحة الفردية الأم. تؤكد البروفيسورة إيما موتريكو، من قسم علم النفس التنموي والتربوي في جامعة إشبيلية والباحثة في معهد الطب الحيوي في إشبيلية (IBIS)، أن الاضطراب يصل إلى ذروته بعد حوالي أسبوعين من الولادة ويمكن أن يستمر طوال السنة الأولى.
ويوضح أن هذه الصيانة بمرور الوقت لها تأثير تأثير مدمر محتمل على الأم والطفل والأسرةقد تشعر المرأة بأنها غير قادرة على الاستمتاع بالأمومة، أو على التواصل مع مولودها الجديد كما ترغب، أو على القيام بالمهام اليومية، الأمر الذي يزيد بدوره من مشاعر الذنب والفشل.
في حالة الرضيع، قد يؤدي الاكتئاب غير المعالج إلى صعوبة في إقامة علاقة صحية. رابطة ارتباط آمنةهذا أمرٌ تربطه العديد من الدراسات بالتطور العاطفي والاجتماعي في المستقبل. ورغم أن صعوبات التعلق لا تعود جميعها إلى اكتئاب الأم، إلا أن الخبراء يؤكدون أن دعم الأم هو أيضاً أحد أشكال رعاية الطفل.
لا يقع العبء على المرأة وطفلها فقط، بل يتأثر شريكها وأقاربها المقربون الآخرون وحتى بيئة عملها بالتغيرات في المزاج والأداء اليومي. يُعدّ اكتئاب ما حول الولادة، في الواقع، مشكلة عائلية واجتماعية.لا يقتصر الأمر على الفرد فحسب، بل يتطلب منظورًا واسعًا من الخدمات الصحية والسياسات العامة.
في هذا السياق، يؤكد المختصون أنه لا يكفي تقديم موارد تركز حصراً على الأم، بل يُنصح بـ إشراك الأسرة والبيئة الاجتماعية، سواء في الكشف المبكر عن العلامات التحذيرية أو في الدعم اليومي بمجرد تأكيد التشخيص.
نحو رعاية شاملة للصحة النفسية في فترة ما حول الولادة في إسبانيا
أدت نتائج المراجعة العالمية إلى إعادة فتح النقاش حول كيفية تنظيم الخدمات الصحية لتحقيق التكامل الحقيقي بين الصحة النفسية في فترة ما حول الولادة أثناء الحمل والولادة ورعاية ما بعد الولادةفي إسبانيا، يطالب العديد من الخبراء منذ سنوات بأجهزة أكثر تحديداً لمعالجة هذه الأنواع من المشاكل.
تدافع إيما موتريكو عن ضرورة وجود بروتوكولات واضحة للفحص والوقاية والعلاج والتي تُطبّق بشكل منهجي في خدمات طب التوليد والرعاية الصحية الأولية. ويرى هؤلاء أن وجود إرشادات للممارسة السريرية مبنية على أفضل الأدلة المتاحة من شأنه أن يساعد المهنيين على العمل بشكل أكثر اتساقًا في جميع أنحاء البلاد.
من مجال الطب النفسي، تُذكّرنا أصواتٌ مثل صوت إدوارد فييتا، الأستاذ ورئيس قسم الطب النفسي في مستشفى كلينيك في برشلونة والباحث في مركز CIBERSAM، بما يلي: الحمل فترة تزداد فيها المخاطر النفسية. مقارنةً بمراحل الحياة الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنها تستنكر قلة البرامج والوحدات المتخصصة في مجال الصحة النفسية للأمهات في فترة ما حول الولادة في إسبانيا.
تشير فييتا إلى أن العديد من النساء لا يتلقين رعاية شاملة كافية تأخذ في الاعتبار سواءً من الناحية النفسية أو من ناحية العلاقة مع المولود الجديدويؤكد أن رابطة التعلق المبكرة هذه ضرورية للتطور العاطفي المستقبلي للطفل، لذا فإن إهمالها قد يكون له عواقب متوسطة وطويلة المدى.
وللتحرك في الاتجاه الصحيح، يدعو الخبراء إلى دمج علماء النفس السريريين والأطباء النفسيين المتخصصين في رعاية ما حول الولادة في الفرق التي تقدم بالفعل رعاية الحمل وما بعد الولادة، بالإضافة إلى تدريب القابلات وأطباء أمراض النساء وأطباء الأطفال وأطباء الأسرة في الكشف المبكر عن أعراض الاكتئاب وفي جوانب التعافي البدني، مثل يُمنع ممارسة الرياضة بعد الولادة.
الفحص والوقاية والعلاج: ما الذي لا يزال يتعين القيام به
توضح المراجعة المنشورة في مجلة لانسيت للطب النفسي أن الاكتئاب أثناء الحمل والسنة التي تلي الولادة هو مشكلة صحية عامة ذات أولوية قصوىويرى المؤلفون أن دمج الصحة النفسية المحيطة بالولادة في الرعاية الروتينية للأمومة يمثل أولوية للأنظمة الصحية.
وفيما يتعلق بالفحص، يقترحون الجمع بين استخدام استبيانات تم التحقق من صحتها خصيصًا لكل بلد مع إجراء مقابلات تشخيصية أكثر شمولاً عند رصد درجات عالية. وبهذه الطريقة، يمكن الاستفادة من سرعة المقاييس دون التضحية بدقة التشخيص.
وفيما يتعلق بالوقاية، يشير المتخصصون إلى ضرورة إيلاء اهتمام خاص لعوامل مثل نقص الدعم الاجتماعي، تاريخ من مشاكل الصحة النفسية، صعوبات اقتصادية أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، من بين عوامل أخرى، والتي قد تزيد من خطر الإصابة باكتئاب ما حول الولادة. إن الكشف المبكر عن النساء الأكثر عرضة للخطر من شأنه أن يسمح بالتدخل قبل أن تتفاقم الحالة.
في مجال العلاج، يُنصح بتقديم التدخلات النفسية القائمة على الأدلة (مثل العلاج السلوكي المعرفي أو العلاجات التي تركز على الارتباط) وعند الاقتضاء، العلاجات الدوائية المعدلة وفقًا لحالة الحمل أو الرضاعة الطبيعية، دائمًا بعد تقييم فردي للمخاطر والفوائد.
وأخيرًا، يؤكد مؤلفو المراجعة على أهمية امتلاك بيانات أكثر دقة وقابلة للمقارنة بمرور الوقت سيساعد هذا في تقييم مدى فعالية التدابير المطبقة في الحد من عبء اكتئاب ما حول الولادة. ولتحقيق ذلك، من الضروري تحسين أنظمة التسجيل والمتابعة، سواء في أوروبا أو على مستوى العالم.
في ضوء هذا السيناريو برمته، فإن الصورة التي تتبلور هي صورة فترة حيوية شهدت غالباً ما تتزامن فرحة قدوم الطفل مع ضعف نفسي حقيقي. وهذا لا علاقة له بالضعف الشخصي. إن وجود أنظمة فحص متطورة، وكوادر مؤهلة، وموارد كافية للرعاية الشاملة لا يخفف معاناة الأمهات فحسب، بل يعزز أيضاً النمو الصحي لأطفالهن ورفاهية الأسر ككل.