كان من المعروف جيداً أن البلوغ يعتمد على آلية هرمونية دقيقة، ولكن دراسة أجراها المركز الوطني لأبحاث السرطان أضاف هذا الاكتشاف معلومةً غير متوقعة إلى اللغز: إذ تُشارك بعض الخلايا المناعية في الدماغ بنشاط في تحفيز النضج الجنسي. وبعيدًا عن كونه تفصيلًا ثانويًا، يُعيد هذا الاكتشاف تعريف فهمنا لبداية الخصوبة وبعض أشكال العقم ذات المنشأ الدماغي.
البحث المنشور في المجلة علوم والتي تتعاون فيها مراكز من إسبانيا وفرنسا وسويسرا، تُظهر أن الخلايا الدبقية الصغيرة لا تقتصر وظيفة الخلايا الدفاعية للجهاز العصبي المركزي على التخلص من الفضلات والتهديدات المحتملة فحسب، بل تشمل أيضًا تنظيم الخلايا العصبية التي تحفز بدء البلوغ. ويتم ذلك من خلال بروتين RANK، وهو جزيء معروف حتى الآن بأهميته في نمو الثدي، وإعادة تشكيل العظام، وسرطان الثدي.
كيف يربط الدماغ بين البلوغ والخصوبة
في الظروف الطبيعية، تنشأ الإشارة التي تبدأ عملية البلوغ من المهادمنطقة عميقة في الدماغ مسؤولة عن تنسيق الوظائف الأساسية مثل الجوع والتوتر والتكاثر. هناك، تفرز مجموعة من الخلايا العصبية المتخصصة هرمونات تنشط هيبوفيسيستقع هذه الغدة في قاعدة الجمجمة. وتستجيب هذه الغدة بإنتاج هرمونات أخرى تعمل على الغدد التناسلية -المبايض والخصيتين- وتحفز نضجها.
يُعرف نظام الاتصالات هذا باسم محور الغدة النخامية-الوطائية-التناسلية وهو المسؤول عن وصول الكائن الحي إلى حالة الخصوبة. وحتى وقت قريب جدًا، كانت الخلايا العصبية المُفرزة لهرمون إطلاق موجهة الغدد التناسلية (GnRH) تُعتبر هي المحرك الرئيسي، حيث يتم تعديلها فقط بواسطة خلايا عصبية أخرى في الدماغ نفسه. وقد سلط عمل المركز الوطني لأبحاث السرطان (CNIO) والمجموعات المتعاونة معه الضوء على عنصرين غير متوقعين: الخلايا الدبقية الصغيرة وبروتين RANK، وإدخال الجهاز المناعي في معادلة الخصوبة.
تعمل الخلايا الدبقية الصغيرة كخدمة مراقبة للجهاز العصبي، حيث تزيل الخلايا التالفة وبقايا الخلايا والجزيئات غير الضرورية. ومع ذلك، تكشف الدراسة أن هذه الخلايا تنظم نفسها أيضًا حول نهايات الخلايا العصبية GnRH، وتعدل نشاطها من خلال التعبير عن RANKعندما تعمل هذه الآلية بشكل صحيح، تصل الإشارة الهرمونية التي تنشط الغدد التناسلية إلى وجهتها ويظل المحور التناسلي فعالاً.
بحسب الباحث الجاليكي سينتيا فولغيرا، من معهد سانتياغو للأبحاث الصحية (IDIS) والأستاذ المشارك في جامعة سانتياغو دي كومبوستيلا (USC)، الذي يشارك في المشروع، يوضح العمل أن تنظيم الخصوبة "أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا" وأن دور الخلايا المناعية في الدماغ في هذه العملية يفتح آفاقًا جديدة لفهم كل من بداية البلوغ وتغيراته في بعض الاضطرابات.
النماذج الحيوانية: ماذا يحدث عند غياب بروتين RANK؟
لكشف وظيفة RANK في الدماغ، قامت مجموعة من التحول والانتشار في المركز الوطني لأبحاث السرطاناستخدمت الدراسة، التي قادتها إيفا غونزاليس سواريز، نماذج حيوانية يمكن فيها تثبيط التعبير عن هذا البروتين بشكل انتقائي. لم يكن الهدف الأولي هو حل لغز البلوغ، بل دراسة كيفية تأثير RANK على أنسجة الثدي؛ ومع ذلك، أشارت النتائج في النهاية بشكل مباشر إلى الجهاز التناسلي.
عندما ولدت الحيوانات بدون بروتين RANK أو تم تثبيط هذا البروتين قبل البلوغ، لاحظ الباحثون فرقًا واضحًا انخفاض الهرمونات الجنسية وفقدان وظيفة الغدد التناسلية. تُعرف هذه الحالة باسم قصور الغدد التناسليةونتيجة لذلك، لم تصل العينات إلى سن البلوغ. بعبارة أخرى، تم تعطيل محور الغدة النخامية-الوطائية-التناسلية، ولم يصل الكائن الحي إلى حالة الخصوبة.
لم يكن الوضع أفضل عندما حدث استبعاد RANK في مرحلة البلوغ. في تلك الحالات، أصبح كل من الذكور والإناث تصبح عقيمة في غضون أسابيعوجد الفريق أنه في غياب البروتين، غيرت الخلايا الدبقية الصغيرة شكلها وقللت من اتصالها بنهايات الخلايا العصبية GnRH، بحيث لم تعد الرسالة الكيميائية المسؤولة عن تنشيط الغدد التناسلية تنتقل بشكل صحيح.
بالنسبة لغونزاليس-سواريز نفسها، فإن "اكتشاف خلايا مناعية، وليست خلايا عصبية، تُنظّم الخصوبة، يُمثّل قفزة نوعية" في فهم كيفية تحكّم الدماغ في التكاثر. ويتماشى هذا التحوّل في التركيز مع التوجّه الحالي في علم الأعصاب، الذي بدأ يتجاوز الخلايا العصبية ليشمل خلايا دماغية أخرى، مثل الخلايا الدبقية الصغيرة، التي كانت تُعتبر تقليديًا ذات دور ثانوي، في الدراسة.
من المختبر إلى العيادة: قصور الغدد التناسلية النادر والعقم
بعد تأكيد دور RANK في الخصوبة في النماذج الحيوانية، كانت الخطوة المنطقية التالية هي التساؤل عما إذا كان شيء مماثل يحدث لدى البشر. وللقيام بذلك، قام فريق المركز الوطني لأبحاث السرطان (CNIO)، بمشاركة باحثين من معرف الهويةقام باحثون من معهد الطب الحيوي في إشبيلية (IBiS) وجامعة قرطبة ومعهد IMIBIC، بالإضافة إلى مراكز في فرنسا وسويسرا، بتحليل عينات من مرضى مصابين بـ قصور الغدد التناسلية الخلقي ناقص موجهة الغدد التناسلية (CHH).
تتميز هذه المتلازمة النادرة بـ تأخر البلوغ أو غيابه والعقم المرتبط بتغيرات في خلايا GnRH العصبية أو في الجزيئات التي تنتجها. لا تزال العديد من الحالات تفتقر إلى سبب وراثي واضح، لذا فإن أي مرشح جديد يحظى باهتمام كبير. وقد حدد الباحثون في العديد من هؤلاء المرضى طفرات لم يسبق وصفها في الجين المشفر لـ RANKوهذا يعزز فكرة أن هذا البروتين ليس فقط بالغ الأهمية في حيوانات المختبر، ولكن أيضًا في وظائف الجهاز التناسلي البشري.
في ضوء هذه النتائج، يقترح المؤلفون ما يلي: يمكن اعتبار جين RANK جينًا مرشحًا في التشخيص الجزيئي لقصور الغدد التناسلية الخلقي ناقص الهرمونات الموجهة للغدد التناسلية، وربما في هدف علاجي في بعض اضطرابات الغدد الصماء والمتلازمات التي تؤثر على الخصوبة. ورغم أنه من السابق لأوانه الحديث عن علاجات محددة، إلا أن مجرد وجود مكون جيني جديد للدراسة قد يساعد في توضيح حالات العقم التي ظلت غامضة حتى الآن.
المؤلف الأول للدراسة، الباحث في المركز الوطني لأبحاث السرطان أليخاندرو كولادوويؤكد أن هذه الطفرات تفتح الباب أمام تطوير اختبارات محددة لتحديد التغيرات في RANK وتقييم ما إذا كان تصحيحها - في المستقبل، من خلال استراتيجيات مستهدفة - يمكن أن يحسن الوظيفة الإنجابية في مجموعات معينة من المرضى.
الخلايا الدبقية الصغيرة، وRANK، ومحاور الدماغ الأخرى: ما وراء التكاثر
لا تقتصر آثار الدراسة على الخصوبة فحسب، بل تتعداها إلى جوانب أخرى. فقد توصلت الدراسة إلى أن... تقوم الخلايا الدبقية الصغيرة، بتوجيه من RANK، بتعديل الخلايا العصبية الرئيسية في منطقة ما تحت المهاد يشير هذا إلى أن آليات مماثلة قد تعمل في دوائر دماغية أخرى تنظم الوظائف الأساسية. ومن بين هذه الدوائر، يشير الباحثون إلى محور... الشهية والشبع، السيطرة على الأيض نشيط أو استجابة لـ إجهاد، وكلها تتأثر بشدة بهذه المنطقة من الدماغ.
إذا تأكد أن التفاعل بين خلايا المناعة الدماغية والخلايا العصبية هو شكل عام من أشكال التنظيم في منطقة ما تحت المهاد، فقد يؤدي ذلك إلى مراجعة النماذج الكلاسيكية للعديد من الأمراض الأيضية والنفسية. أما الآن، فمن الواضح أن دور الخلايا الدبقية الصغيرة يتوسع بسرعة، متجاوزًا النظرة المحدودة لها باعتبارها مجرد "منظفة"، ليُنظر إليها على أنها منظم نشط للنشاط العصبي.
يتماشى هذا الرأي مع اتجاه متزايد في علم الأعصاب والغدد الصماء يدعو إلى دراسة الدماغ كنظام بيئي خلوي معقد، حيث تعمل الخلايا العصبية والخلايا الدبقية والخلايا المناعية بطريقة منسقة.إن دمج تخصصات مثل علم المناعة وعلم الأعصاب وعلم الغدد الصماء، والتي يسلط المؤلفون أنفسهم الضوء عليها باعتبارها أساسية لهذا العمل، يسمح لنا بمعالجة الأسئلة البيولوجية التي يصعب حلها من منظور واحد.
تُظهر النتائج التي توصل إليها المركز الوطني لأبحاث السرطان (CNIO) والمراكز الأوروبية المتعاونة مجتمعةً ما يلي: لا تعتمد الخصوبة فقط على الهرمونات والخلايا العصبية التقليدية التي تُطلقها، وكيف يُحسّن الجهاز المناعي للدماغ، عبر الخلايا الدبقية الصغيرة وRANK، هذا التحكم. لا تُساعد هذه المعلومة الجديدة في تفسير بعض حالات قصور الغدد التناسلية الخلقي فحسب، بل تفتح أيضًا آفاقًا واسعةً لخطوط البحث واستراتيجيات التشخيص التي قد تُترجم، مع مرور الوقت، إلى خيارات أفضل لمن يُعانون من مشاكل البلوغ غير الطبيعي أو العقم مجهول السبب.