مع كل عام جديد، تتكرر نفس الطقوس: نقوم بـ قائمة بالقرارات الصحية حيث يتم التركيز دائمًا تقريبًا على تناول طعام أفضل، وممارسة المزيد من النشاط البدني، وإذا أمكن، التخلص تمامًا من مظاهر الإفراط في تناول الطعام خلال العطلات. وفي هذا السياق، ما يسمى بـ حمية التخلص من السموم، تُقدم على أنها اختصارات لتنظيف الجسم والبدء من الصفر.
الشعور بزيادة الوزن أو الانتفاخ أو التعب بعد عيد الميلاد أمر حقيقي، لكن الخبراء يؤكدون أن لسنا بحاجة إلى أنظمة متطرفة أو خطط معجزة حتى يستعيد الجسم توازنه. في الواقع، يحذرون من أن العديد من هذه المقترحات قد تؤدي إلى مشاكل جسدية ونفسية تتجاوز بكثير ما تعد بحله.
ما هي حميات التخلص من السموم حقاً، ولماذا هي جذابة للغاية؟
في العقود الأخيرة، أصبح العديد منها شائعًا خطط التخلص من السموم بناءً على العصائر، والمشروبات الخضراء أو صيام شديد للغايةتعد هذه المنتجات بتنظيف الجسم بعد فترات الإفراط في تناول الطعام، مثل فترة أعياد الميلاد. وعادةً ما تقدم نتائج سريعة: تقليل الانتفاخ، وفقدان الوزن في غضون أيام قليلة، والتخلص من السموم التي يعجز الجسم عن التخلص منها بمفرده.
ومع ذلك، يشير علماء النفس والمتخصصون في التغذية السريرية إلى أن لا يوجد دعم علمي قوي. وهذا يدل على أن هذه البروتوكولات تُزيل السموم من الجسم بشكل أفضل من آليات الجسم الطبيعية. الكبد والكليتين وتتولى أعضاء أخرى بالفعل معالجة النفايات والتخلص منها، دون الحاجة إلى خطط جذرية أو منتجات خاصة.
يُعزى جزء كبير من نجاح حميات التخلص من السموم إلى عنصر تسويقي قوي يحيط بهم: رسائل عاطفية للغاية، وصور مذهلة قبل وبعد على وسائل التواصل الاجتماعي، وفكرة أنه ببضعة أيام من الجهد، يمكننا تعويض أسابيع من الفوضى. تتناسب هذه الرواية تمامًا مع الشعور بالذنب بعد العطلات، مما يسهل على الكثيرين الانخراط في هذه الممارسات دون التفكير في العواقب المحتملة.
يحذر الخبراء من أن المشكلة تكمن في أن هذه المقترحات نادراً ما تُدمج في التغيير المستدام للعاداتعادة ما يتم تقديمها على أنها عمليات صادمة، مع قواعد صارمة ونظرة عقابية تقريبًا للطعام، وهو أمر حساس بشكل خاص لدى الأشخاص المعرضين للخطر عاطفياً.
المخاطر الجسدية والنفسية لأنظمة التخلص من السموم
من أبرز الانتقادات التي يوجهها متخصصو الرعاية الصحية أن الحميات الغذائية للتخلص من السموم غالباً ما تكون إنهم يفرضون قيودًا صارمة على المجموعات الغذائية أو حتى وجبات كاملة. الاعتماد فقط على العصائر، أو المشروبات المخفوقة، أو الميلك شيك لعدة أيام، قد يؤدي ذلك إلى انخفاض كبير في تناول البروتين والدهون الصحية وبعض المغذيات الدقيقة الضرورية لعمل الجسم.
تحذر كارمن غراو، الأخصائية النفسية السريرية التي تعمل في مستشفى عام في فالنسيا، من أن هذه الأنماط الجامدة تشجع على اضطراب كبير في الوجبات اليوميةإن تخطي وجبة الإفطار فجأة، أو تخطي الوجبات الخفيفة، أو إلغاء وجبة العشاء دون إشراف طبي، يمكن أن يؤدي إلى نوبات من الجوع الشديد، وانخفاض نسبة السكر في الدم، والدوخة، والشعور العام بالضيق، وهي أعراض لا تعوضها الفوائد المزعومة الموعودة.
علاوة على ذلك، عندما تطول هذه الأنواع من الروتينات أو تتكرر بشكل دوري، فإنها قد تؤدي إلى اختلالات كبيرة في الفيتامينات والمعادنعلى الرغم من أن الكثير من الناس يربطون سوء التغذية بحالات خطيرة للغاية، إلا أن المتخصصين يذكروننا بأن هناك أيضًا أشكالًا أخف، يصعب اكتشافها من النظرة الأولى، ولكنها يمكن أن تؤثر على جهاز المناعة والطاقة اليومية وحتى الحالة المزاجية.
على المستوى النفسي، يؤكد غراو أن استخدام حميات التخلص من السموم بفكرة "التعويض" عن الإفراط غالباً ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من السيطرة الصارمة والإحباط والشعور بالفشلعندما يفشل الشخص في الحفاظ على النظام الغذائي أو يستعيد وزنه بعد ذلك بفترة وجيزة، فإن ذلك يعزز لديه الاعتقاد بأنه يفتقر إلى قوة الإرادة، مما يؤثر على احترام الذات ويمكن أن يمهد الطريق لاضطرابات الأكل.
يُغذّي هذا التذبذب بين فترات التقييد الشديد ومراحل الأكل غير المنضبط أيضًا بـ الهوس بالوزن والميزانإن قياس وزن الجسم يومياً، وتفسير أي زيادة طفيفة على أنها كارثة، واتخاذ قرارات جذرية بناءً على تلك الأرقام، يخلق بيئة عقلية عدائية للغاية، حيث يتوقف تناول الطعام عن كونه عملاً طبيعياً ويصبح مصدراً مستمراً للقلق.
انتفاخ ما بعد العطلات: ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي
خلال فترة عيد الميلاد، نغير أنماط حياتنا، ونتناول وجبات دسمة أكثر، وننام بشكل أسوأ، ونشرب المزيد من الكحول، ونميل إلى قلة الحركة. تذكرنا آنا لوزون، فنية تغذية وحمية غذائية، بأن كل هذه العوامل تؤدي إلى... هضم أبطأزيادة حجم الأمعاء والشعور بالانتفاخوخاصة على مستوى البطن، وهو أمر يعتبره الكثيرون مشكلة ملحة يجب حلها.
يؤكد الأخصائي أن هذا الشعور بعدم الراحة لا يرتبط دائمًا باحتباس السوائل؛ بل غالبًا ما يستجيب لـ التغيرات المفاجئة في تكوين النظام الغذائيزيادة الملح، وزيادة الكربوهيدرات، وزيادة السكر، وتناول أطعمة لم يعتد عليها الجسم. كما يلعب التوتر وكيفية إدراكنا لأجسامنا، خاصة عند مقارنتها بما كانت عليه "قبل العطلات"، دورًا في ذلك.
بدلاً من التوصية ببروتوكولات مكثفة لإزالة السموم، يدعو لوزون إلى استراتيجية أقل بريقاً ولكنها أكثر فعالية: العودة تدريجياً إلى الروتين الطبيعيوهذا يعني استئناف أوقات الوجبات المنتظمة، وإعطاء الأولوية للأطباق البسيطة والساخنة وسهلة الهضم، وزيادة النشاط البدني اليومي من خلال المشي الخفيف، وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة ليلاً.
بحسب تجربتهم، فإن أحد أقوى التغييرات هو تخلَّ عن فكرة التعويضإنّ التوقف عن "معاقبة" نفسك باتباع حميات غذائية مستحيلة أو ممارسة تمارين رياضية لا تنتهي يُخفف العبء النفسي ويُتيح لك إعادة التواصل مع إشارات الجوع والشبع. عندما يقلّ الضغط النفسي الشديد الذي تفرضه على نفسك، يلاحظ الكثيرون تحسّن استجابة أجسامهم وبدء الانتفاخ بالتلاشي دون الحاجة إلى إجراءات مُرهقة.
ويشير أخصائي التغذية أيضاً إلى أن بعض الأطعمة، مثل مرق اللحم المنزلي البسيط، يمكن أن تساعدك على تجاوز تلك الأيام التي تلي الإفراط في تناول الطعام، ولكن ليس لأنها "تحرق الدهون" أو لها خصائص إزالة السموم المعجزة، ولكن لأنها فهي ترطب الجسم، وتمنح الراحة، وسهلة الهضم.المشكلة ليست في الطعام نفسه، بل في تسويقه كحل لخلل مزعوم في الجسم.
الحميات الغذائية المعجزة، والمؤثرون، وتأثير الارتداد
بالتزامن مع العودة إلى الروتين، تزداد الاستشارات مع أخصائيي التغذية وتنتشر منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. حميات غذائية معجزة تعد بفقدان الوزن بشكل مذهل في غضون أسابيع قليلة فقط. وتشمل هذه الأنظمة الغذائية نسخًا متطرفة من حميات التخلص من السموم، وخططًا تعتمد على نوع واحد من الطعام، أو على أكياس ومشروبات تحل محل وجبات كاملة.
تحذر أخصائية التغذية ماريا تورمو، من الكلية الرسمية لأخصائيي التغذية في منطقة بلنسية، من أهمية ذلك. احذر من أي طريقة تعد بنتائج سريعة دون بذل جهد.قد تؤدي الحميات الغذائية المقيدة للغاية، التي تستبعد مجموعات غذائية كاملة، أو تشجع على تخطي الوجبات، أو تعتمد بشكل شبه حصري على السوائل، إلى فقدان الوزن الظاهري على المدى القصير، ولكن مع خطر كبير لـ تأثير ترتد.
ويؤكد أيضاً على دور المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعيفي كثير من الأحيان، يوصي هؤلاء الأشخاص بمنتجات وبرامج دون تأهيل طبي، معتمدين على تجاربهم الشخصية أو شهادات متابعيهم. تكمن المشكلة في تعميم هذه التوصيات دون مراعاة الحالة الصحية والتاريخ الطبي واحتياجات كل فرد.
يؤكد تورمو على أن إن فقدان الوزن عملية فردية للغايةيتأثر النظام الغذائي بالعوامل الوراثية والبيئية والعادات السابقة والحالة النفسية، لذا فهو الخيار الأمثل. ولذلك، يُنصح بشدة باستشارة أخصائي تغذية مرخص. إذ يمكنه تقييم كل حالة على حدة وتعديل الإرشادات الغذائية تدريجيًا، متجنبًا التطرف والرسائل التي تُشعر الشخص بالذنب.
بالإضافة إلى ذلك، يوصي الخبير باستخدام المقياس باعتدال: إن وزن نفسك كل يوم لا يؤدي إلا إلى تغذية هذا الهوس. ويجعل ذلك من الصعب رؤية العملية بشكل صحيح. يساعد قياس وزن الجسم مرة واحدة أسبوعياً أو كل أسبوعين، بالإضافة إلى الانتباه إلى مؤشرات أخرى مثل الملابس ومستويات الطاقة وجودة النوم، على وضع التقلبات الطبيعية في وزن الجسم في سياقها الصحيح.
ما الذي يقترحه الخبراء بدلاً من حميات التخلص من السموم؟
في مواجهة إغراء اللجوء إلى حلول جذرية، تتفق آراء الخبراء على رسالة واحدة: ليس من الضروري "البدء من الصفر" أو معاقبة الجسد بسبب ما حدث في عيد الميلاد. ما يُحدث الفرق حقاً هو كيف نأكل ونتحرك معظم أيام السنة، وليس ما نأكله في بعض الأعياد.
تتمثل التوصية الأولى في التعافي، دون تسرع ولكن بثبات. نظام غذائي متنوع ومتوازنوهذا يعني ملء طبقك بالكثير من الخضراوات، وتناول الفاكهة يومياً، واختيار الحبوب الكاملة، وتناول مصادر البروتين مثل البقوليات والأسماك واللحوم الخالية من الدهون والبيض أو منتجات الألبان، مع إعطاء الأولوية دائماً للدهون عالية الجودة مثل زيت الزيتون البكر الممتاز.
كما ينصح أعد تنظيم خزانة المؤن والثلاجة لتشجيع خيارات أكثر وعياً. إن وضع الأطعمة الطازجة في متناول النظر، وتجميد بقايا وجبات العطلات لاستهلاكها لاحقاً، وتجنب تراكم الحلويات أو الوجبات الخفيفة عالية السعرات الحرارية، يجعل من السهل اتخاذ القرارات اليومية في الاتجاه المرغوب دون الحاجة إلى قوة إرادة خارقة.
وفي الوقت نفسه، يصبح ما يلي مهماً: تخطيط قوائم الطعام بسهولة وسرعةإن تخصيص بعض الوقت للتفكير فيما ستأكله خلال الأسبوع، وإعداد بعض الأساسيات مسبقاً، وتوفير خيارات صحية جاهزة للاستخدام، يقلل من الرغبة في اللجوء إلى الأطباق الدسمة جداً أو بقايا الطعام من الاحتفالات، وهو أمر مفيد بشكل خاص في الأيام الأولى من شهر يناير.
وأخيرًا، يؤكد الخبراء على أن التغييرات لا ينبغي أن تركز فقط على ما نضعه في أطباقنا، ولكن أيضًا على كيفية تعاملنا مع الطعام. تخلَّ عن عقلية الثواب والعقابإن الابتعاد عن فكرة وجود أطعمة "جيدة" و"سيئة" بشكل مطلق والعمل على رؤية أكثر مرونة يساعد على جعل التحسينات دائمة وغير معتمدة على حماس الأسابيع الأولى من العام.
الترطيب والراحة والحركة: ثلاث ركائز لا تحظى بالتقدير الكافي
وبعيداً عن النظام الغذائي، يذكرنا الخبراء بأن هناك ثلاثة عوامل أساسية تؤثر بشكل مباشر على شعورنا بعد فترة من الإفراط في تناول الطعام: الماء الذي نشربهجودة النوم ومستوى النشاط البدنيعناصر بسيطة، لكنها غالباً ما تتراجع لصالح حلول سريعة أكثر جاذبية.
يُعدّ الترطيب الكافي أمراً بالغ الأهمية بعد عدة أيام من تناول الأطعمة المالحة والحلويات التقليدية والكحول. احرص على شرب كمية كافية من الماء طوال اليوم. يساعد على تنظيم توازن السوائل وتحسين الشعور بالثقل.لا يتعلق الأمر بشرب كميات مفرطة أو إجبار نفسك، بل يتعلق بتأسيس عادة ثابتة ترافق عملية التعافي الطبيعية للجسم.
كما أن الراحة الليلية تلعب دوراً أساسياً. فالنوم لساعات قليلة جداً أو بشكل متقطع للغاية قد يؤدي إلى اضطراب النوم. الهرمونات التي تنظم الجوع والشبعقد يؤدي ذلك إلى الرغبة الشديدة في تناول الطعام واتخاذ قرارات متهورة. يساعد وضع روتين يومي يعزز النوم العميق والمتواصل، مثل الحد من استخدام الشاشات ليلاً أو الحفاظ على جداول زمنية ثابتة نسبياً، على استقرار الشهية والمزاج.
فيما يتعلق بالتمارين الرياضية، فإن التوصية العامة هي استئناف الحركة بطريقة... تدريجي وواقعيإن العودة إلى ممارسة التمارين الرياضية الشاقة "لحرق" السعرات الحرارية الزائدة بعد تناول الطعام خلال العطلات لا تؤدي إلا إلى زيادة خطر الإصابة، وقد تتسبب سريعًا في النفور من النشاط البدني. يُعد المشي أكثر، وصعود الدرج، واستئناف تمارين تقوية العضلات الأساسية، وإضافة دقائق من النشاط المعتدل، خيارات أكثر استدامة من محاولة تعويض كل شيء في أسبوع واحد.
بالنسبة للكثيرين، تنجح فكرة ما يسمى بقاعدة 80/20: إذا معظم الوجبات والروتين اليومي صحينسبة قليلة من التجاوزات لن تُفسد التقدم. هذه النظرة تُخفف الضغط لتحقيق الكمال وتفتح الباب أمام توازن أفضل مع الجسد.
بالنظر إلى تحذيرات علماء النفس وخبراء التغذية وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية، تبدو حميات التخلص من السموم أقرب إلى رد فعل اندفاعي للشعور بالذنب منها إلى أداة فعّالة للعناية بالجسم. ويبرز الآن اتباع نظام غذائي قائم على الأطعمة الكاملة، مع مراعاة إيقاعات الجسم، وإعطاء الأولوية للترطيب والراحة والحركة، واللجوء إلى الدعم المتخصص عند الضرورة، كنهج أكثر فعالية. الاستراتيجية الأكثر أمانًا وأكثر استدامة من أي اقتراح معجزة يعد بإصلاح كل شيء في غضون أيام.