العلاقة بين النظام الغذائي المتوسطي وصحة الدماغ يكتسب هذا الأمر زخماً في البحث العلمي، ولم يعد مجرد حدس شائع. فقد تمكنت دراسة حديثة أجريت في إسبانيا من تتبع مركبات معينة من الأطعمة المتوسطية التقليدية وصولاً إلى أنسجة المخ، مما يوفر أساساً بيولوجياً متيناً لهذه العلاقة التي نوقشت مراراً وتكراراً.
تم تطوير هذه الدراسة بواسطة فريق من مركز علوم التربة والبيولوجيا التطبيقية في سيغورا (CEBAS-CSIC) وقد حظي البحث باعتراف دولي كبير، حيث اختارته الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS) كأفضل مقال بحثي. ويركز البحث على ما يسمى بـ المستقلبات الفينولية، المستمدة من الأطعمة النباتية مثل الرمان والحمضيات والعنب أو الزيتون، وكيف تصل هذه المركبات إلى الدماغ في ظل ظروف استهلاك مماثلة لتلك الخاصة بالنظام الغذائي العادي.
جائزة دولية للبحوث تحمل طابعاً إسبانياً
العمل، بقيادة الأطباء أنطونيو غونزاليس سارياس وأنجيلا أفيلا غالفيزحصلت المقالة على جائزة "أفضل مقالة بحثية" من الجمعية الكيميائية الأمريكية، إحدى أكثر المنظمات العلمية تأثيرًا في العالم. تُمنح هذه الجائزة للمقالات التي تتميز بـ تأثير علمي كبير، ودقة منهجية، والقدرة على توجيه مسارات دراسية جديدة.
في هذه الحالة، نُشر البحث في المجلة المتخصصة مجلة الكيمياء الزراعية والغذائية. المعرف الرقمي: تم اختيار هذا المشروع من بين عشرات المشاريع الدولية في مجال الغذاء والصحة. وقد أشادت لجنة التحكيم بشكل خاص بجمعه بين الدراسات الحيوية، وتقنيات علم الأيض المتقدمة، ونماذج المختبر التي تحاكي الحاجز الدموي الدماغي، وهو الحاجز الطبيعي الذي يحمي الدماغ.
تركز المقالة، التي تحمل عنوان "التحليل الأيضي لمزيج غني بالفينولات (متعددة) مستوحى من البحر الأبيض المتوسط في الدماغ: تأثير التروية والتحقق من صحة نقل حاجز الدم الدماغي في المختبر"، على مزيج من الأطعمة الغنية بالبوليفينول المستوحاة من حمية البحر الأبيض المتوسطلم تكن الفكرة هي دراسة نوع معين من الطعام، بل محاكاة نمط استهلاك حقيقي، كما يحدث في الحياة اليومية لكثير من الناس في دول مثل إسبانيا.
بالإضافة إلى التقدير الذي حظي به في مجال النشر، تمت دعوة الدكتور غونزاليس سارياس إلى لعرض النتائج في الاجتماع السنوي للجمعية الكيميائية الأمريكية في شيكاغووهذا يعزز الظهور الدولي لمركز CEBAS-CSIC ويعزز دور البحث الإسباني في مجال التغذية وصحة الدماغ.
المستقلبات التي تعبر الحاجز الدموي الدماغي
من أبرز جوانب هذا العمل هو إثبات أن تصل المستقلبات المشتقة من الأطعمة المتوسطية بفعالية إلى أنسجة المخحتى الآن، ربطت العديد من الدراسات بين النظام الغذائي المتوسطي وانخفاض خطر الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية مثل مرض الزهايمر أو مرض باركنسون، ولكن كان هناك نقص في الأدلة المباشرة على أن المركبات النشطة بيولوجيًا تصل إلى الدماغ.
قام الباحثون بتحليل وجود المستقلبات الفينولية في البلازما وأنسجة الدماغ بعد تناول مزيج من الأطعمة النباتية الغنية بالبوليفينولات، بكميات مماثلة لتلك الموجودة في نظام غذائي بشري واقعيتم تحديد 39 من المستقلبات الفينولية في الدم وما يصل إلى 20 في الدماغ، مما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه المركبات، بعد تحولها عن طريق التمثيل الغذائي والميكروبات المعوية، يتمكن من عبور الحاجز الدموي الدماغي.
ولتعزيز هذه البيانات، استخدم الفريق نموذج في المختبر باستخدام خلايا بطانية بشرية وهذا يحاكي هذا الحاجز. في هذا النظام، لوحظ أن نقل المركبات إلى الجانب الآخر من الحاجز كان أكثر كفاءة عند تناولها مجتمعة، كما يحدث عند اتباع نظام غذائي متوسطي متنوع، وليس كجزيئات معزولة.
يؤكد المؤلفون أن هذا المزيج من نتائج التجارب الحية والمخبرية يوفر أدلة غير مسبوقة حول المصير البيولوجي للبوليفينولاتتوفير معلومات دقيقة حول حركية الدواء وتوزيعه في الدماغ بعد الاستهلاك المنتظم للأطعمة المتوسطية.
يساعد هذا النهج في شرح أسباب اتباع الأنظمة الغذائية النباتية، وخاصةً النظام الغذائي المتوسطي التقليديوهي مرتبطة بتحسين صحة الدماغ مع التقدم في العمر واحتمالية تقليل خطر التدهور المعرفي على مر السنين.
الرمان وزيت الزيتون والحمضيات والعنب تحت الأضواء
لا تقتصر الدراسة على الجانب النظري فحسب، بل تُحدد أيضاً الأطعمة التي تم تحليلها. ومن بينها، تبرز الأطعمة التالية: الرمان والزيتون وزيتهما والليمون والبرتقال والعنب، وجميعها حاضرة بقوة في الزراعة وفن الطهي في مناطق البحر الأبيض المتوسط مثل مورسيا وأليكانتي والأندلس.
وفي حالة الرمان، تم إيلاء اهتمام خاص لمركبات مثل البونيكالاجين وحمض الإيلاجيكتُنتج هذه البوليفينولات، بعد تحويلها بواسطة ميكروبات الأمعاء، مستقلبات تُعرف باسم اليوروليثينات. ووفقًا للباحثين، فقد تم الكشف عن هذه اليوروليثينات في أنسجة المخ، وأظهرت دراسات لاحقة على نماذج الخلايا التأثيرات المحتملة لحماية الأعصاب.
كما يحلل العمل أيضًا هيدروكسيتيروسولوقد ثبت أن الهيدروكسي تيروسول، وهو بوليفينول مميز لزيت الزيتون وواحد من المركبات النشطة بيولوجيًا القليلة التي تحمل ادعاءات رسمية بشأن صحة القلب والأوعية الدموية في أوروبا، يصل إلى الدماغ، مما يفتح الباب لمزيد من الدراسة لدوره المحتمل في الصحة العصبية.
تُضيف الحمضيات، مثل الليمون والبرتقال، عنصراً آخر إلى اللغز. فهي مصدر لـ الفلافونويدات والأحماض الفينولية تندمج هذه المركبات في منظومة المركبات النشطة بيولوجيًا الموجودة في حمية البحر الأبيض المتوسط. ويبدو أن المزيج الناتج، وليس تأثير مكون واحد، هو المفتاح لنقل أكثر فعالية إلى الدماغ، وربما لإنتاج تأثيرات تآزرية إيجابية على الصحة.
يحتوي العنب ومشتقاته، مثل بعض العصائر أو حتى النبيذ (دائماً ضمن استهلاك معتدل ومسؤول)، أيضاً على تنوع كبير في البوليفينولاتتُضاف هذه المركبات إلى مجموعة المستقلبات التي يحولها الجسم ويوزعها، والتي تم تحديد بعضها في أنسجة المخ في هذه الدراسة.
أهمية الجرعات الواقعية ومجموعات الطعام
أحد الجوانب التي يؤكد عليها المؤلفون مرارًا وتكرارًا هو أن البحث قد تم إجراؤه باستخدام كميات تعادل النظام الغذائي المعتاد للشخصليس بجرعات دوائية عالية أو مكملات مركزة. وهذا ما يضفي على الدراسة أهمية خاصة من منظور الصحة العامة.
كما يوضح الدكتور غونزاليس سارياس، فإن الأمر المثير للاهتمام لا يتعلق بالعثور على "البوليفينول المعجزة"، بل بفهم كيف مزيج من العديد من المركبات تتفاعل هذه المركبات، الموجودة في الفواكه والخضراوات وغيرها من الأطعمة النباتية، بتناغم. في النموذج التجريبي، عند إعطاء هذه المركبات مختلطة، كان انتقالها إلى الدماغ أكثر كفاءة مما كان عليه عند تقييمها بشكل فردي.
تتفق هذه الفكرة مع النظرة إلى حمية البحر الأبيض المتوسط باعتبارها نمط غذائي عالمي مشابه لـ حمية العقلوليس كقائمة من الأطعمة الخارقة الفردية. تكمن القيمة في مجموع البقوليات والفواكه والخضراوات وزيت الزيتون البكر الممتاز. فواكه جافةالحبوب الكاملة، وبشكل عام الأطعمة قليلة المعالجة، والتي توفر مجموعة واسعة من المستقلبات النشطة بيولوجيًا.
الاستنتاج الذي تم التوصل إليه ليس أن نوعًا معينًا من الطعام سيمنع بحد ذاته الإصابة بمرض تنكس عصبي، بل بالأحرى أن للحفاظ على نظام غذائي متوسطي على المدى الطويل يُمكن أن يُساعد ذلك في تهيئة بيئة أيضية أكثر ملاءمة للدماغ والأعضاء الأخرى. ويشمل ذلك التأثيرات المباشرة للمستقلبات الفينولية وتفاعلها مع الميكروبات المعوية وأجهزة الجسم الأخرى.
علاوة على ذلك، توفر النتائج التي تم الحصول عليها أساسًا متينًا لـ تصميم التدخلات الغذائية المستقبلية والدراسات السريرية في البشر، يهدف إلى تحديد أي مجموعات من الأطعمة والمستقلبات توفر إمكانات أكبر للحماية العصبية وكيف يمكن دمجها بسهولة في الحياة اليومية.
دعم الإنتاج المحلي والبحث الأوروبي
وبعيدًا عن النتائج الطبية الحيوية البحتة، يسلط هذا العمل الضوء على الإنتاج الزراعي في أوروبا، وخاصة في إسبانياتُزرع العديد من المواد الخام التي تمت دراستها - الرمان والحمضيات والعنب والزيتون - على نطاق واسع في مناطق مثل منطقة مورسيا ومقاطعة أليكانتي، ولها أهمية كبيرة للاقتصاد المحلي.
ويشير المؤلفون إلى أن هذه البيانات تدعم الزراعة المستدامة للأغذية النباتية لقد ثبت أن هذه الأطعمة المتوسطية النموذجية ليست مجرد جزء من تراث الطهي فحسب، بل إنها تحتوي أيضاً على مركبات ذات فوائد محتملة للوقاية من الأمراض المزمنة. وفي سياق التحول نحو أنظمة غذائية أكثر استدامة، يمكن أن يكون هذا النوع من الأدلة العلمية ذا أهمية عند تصميم السياسات الزراعية والصحية.
يُعد هذا البحث جزءًا من مشروع يقوده الدكتور غونزاليس سارياس، بتمويل من مؤسسة سينيكا وجمعية AILIMPO في منطقة مورسيايشكل هذا البحث جزءًا من أطروحة الدكتوراه لبياتريس غاراي مايول. وينتمي الفريق إلى مجموعة جودة وسلامة ونشاط الأغذية النباتية في مركز الدراسات الأوروبية والآسيوية التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية، والمعروفة بتميزها العلمي.
كما كان هناك تعاون وثيق مع باحثين من جامعة لشبونة (البرتغال)يُضفي هذا على البحث طابعاً أوروبياً مميزاً. ويعكس هذا التعاون التوجه المتزايد نحو معالجة تحديات الغذاء والصحة من خلال الشبكات الدولية، وتبادل الموارد والتقنيات التحليلية والآراء العلمية.
وبالنظر إلى كليهما، فإن الاعتراف من قبل الجمعية الكيميائية الأمريكية ونشر النتائج في المحافل الدولية يساهمان في تعزيز مكانة أوروبا في مجال البحوث المتعلقة بنظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي والصحة، وهو مجال يمكن أن يكون للمعرفة المتولدة فيه تأثير مباشر على التوصيات الغذائية المستقبلية.
تساعدنا هذه المجموعة الكاملة من الأعمال على فهم أنه وراء الصورة الكلاسيكية لطاولة مليئة بالفواكه والخضراوات وزيت الزيتون، توجد شبكة معقدة من المستقلبات الرئيسية في حمية البحر الأبيض المتوسط المرتبطة بصحة الدماغهذه المركبات، من خلال عبورها حاجز الدم في الدماغ ووصولها إلى خلايا الدماغ، تقدم أدلة جديدة لتعزيز فهمنا لكيفية تأثير النظام الغذائي اليومي على خطر الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية، وفي نهاية المطاف، على نوعية حياتنا مع تقدمنا في العمر.
