أكدت السلطات الصحية الفرنسية وفاة طفل ثالث تناول حليب أطفال تم سحبه من الأسواق بسبب الاشتباه في التلوث. ورغم أن هذه الحالة أثارت قلقاً عاماً هائلاً في فرنسا ودول أوروبية أخرى، إلا أن مسؤولي الصحة يصرون على أنه في الوقت الراهن، لا يوجد دليل علمي قاطع وهذا يثبت وجود علاقة مباشرة بين المنتجات المعنية والوفيات.
هذا الوضع جزء من أزمة صحية بدأت في منتصف ديسمبرحدث هذا عندما تم اكتشاف مشاكل محتملة تتعلق بالسلامة في دفعات معينة من حليب الأطفال الموزع في عشرات البلدان. ومنذ ذلك الحين، تم تنفيذ عمليات سحب واسعة النطاق للمنتجات، وتحقيقات قانونية، وزيادة في المراقبة الصحية، لا سيما في فرنسا وإسبانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبيحيث تم الإبلاغ عن عدة حالات لأطفال مصابين.
توفي طفل ثالث، ولا يزال التحقيق جارياً.
أوضحت وزارة الصحة الفرنسية أن وفاة هذا الطفل الثالث الذي تم إطعامه بحليب صناعي تم سحبه من الأسواق أُضيفت هذه القضية إلى تحقيق جنائي جارٍ يهدف إلى توضيح ما إذا كانت هناك صلة بين دفعات معينة والحالات الخطيرة التي تم رصدها. ويقوم التحقيق، الذي ينسقه مكتب المدعي العام في بوردو، بتحليل السجلات الطبية والمنتجات المستهلكة ومسارات التلوث المحتملة.
يؤكد مسؤولو الصحة على أن "لم يتم إثبات أي أساس علمي للإسناد". حتى الآن، لم يثبت أن حليب الأطفال هو السبب المباشر للوفيات، على الرغم من أنه يعتبر عاملاً مشتبهاً به للغاية، وبالتالي يخضع لمراقبة دقيقة.
إلى جانب الوفيات، تم تسجيل حالات أخرى في فرنسا. ما لا يقل عن 14 حالة دخول أطفال رضع إلى المستشفى الذين تناولوا، بدرجات متفاوتة، التركيبات الغذائية المذكورة في التحذير. وفي العديد من هذه الحالات، كان الأطفال الذين تم تشخيصهم أعراض الجهاز الهضمي المتوافقة مع احتمال حدوث تسمم غذائي، مثل القيء الشديد والإسهال، الأمر الذي تطلب المراقبة والعلاج في المراكز الاستشفائية.
على الرغم من أن البيانات الأولية تشير إلى وجود علاقة زمنية بين استهلاك دفعات معينة والحوادث الخطيرة، إلا أن السلطات تصر على ضرورة انتظر نتائج التحليلات السمية والميكروبيولوجية للتوصل إلى استنتاجات قاطعة. في الوقت الراهن، يستند الرد الرسمي إلى مبدأ الحيطة والحذر.
حالات دخول المستشفيات والحالات في دول أوروبية أخرى
الوضع في فرنسا ليس حالة معزولة، حيث أن حالة التأهب لـ احتمال تلوث حليب الأطفال وقد ترتب على ذلك تداعيات في العديد من الدول الأوروبية. ففي فرنسا، بالإضافة إلى الوفيات الثلاث، وثّقت السلطات أكثر من اثني عشر رضيعًا تم إدخالهم إلى المستشفى، يُحتمل أنهم تناولوا حليبًا مشكوكًا في سلامته، على الرغم من لم يتم تأكيد وجود السموم دائمًا في المختبر في المنتجات التي يتم تناولها.
وفي بقية أنحاء أوروبا، تم تسجيل حالات أيضاً حالات دخول المستشفى والرعاية الطبية يرتبط ذلك باستهلاك هذه التركيبات الغذائية المسحوبة من الأسواق. في المملكة المتحدة، أبلغت مستشفيات مختلفة عن إصابة حوالي ثلاثين رضيعاً بأعراض هضمية حادة بعد تناول منتجات مماثلة، بينما دول أخرى في المنطقة الأوروبية وقد أبلغوا عن حوادث متفرقة يجري تحليلها.
تشير المعلومات التي تم جمعها حتى الآن إلى أن فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تم فيها تأكيد وقوع وفيات يرتبط ذلك باستهلاك الدفعات التي تم فحصها، على الرغم من أن العلاقة السببية لم تُثبت بشكل قاطع بعد. في الدول الأعضاء الأخرى، أسفرت معظم الحالات عن حالات دخول قصيرة الأجل إلى المستشفى. التطور الإيجابي للصغار.
وفي هذا السياق، دعت الهيئات الأوروبية الرائدة الحكومات الوطنية إلى الحفاظ على تبادل سلس للبيانات حول الحالات المحتملة، وذلك بهدف الكشف عن الأنماط الشائعة وتحسين الاستجابة للحوادث المستقبلية المتعلقة بأغذية الأطفال.
يُعد التنسيق على مستوى المجتمع المحلي أمراً أساسياً، لأن تم توزيع العديد من الدفعات المتضررة في وقت واحد في عدة أسواق، بما في ذلك الإسبانية، من خلال شبكات التصدير لشركات الألبان الكبيرة والعلامات التجارية الأصغر التي تتشارك في مصانع الإنتاج أو الموردين.
سم السيريوليد، تحت الأضواء
محور التحقيق هو سم السيريوليدمادة تنتجها البكتيريا العصوية الشمعية يمكن أن يلوث هذا السم الأطعمة الجاهزة والمنتجات المصنعة، بما في ذلك حليب الأطفال المجفف. مقاومة للحرارة بشكل خاصوهذا يعني أن مجرد التسخين أو إعادة التكوين بالماء الساخن لا يضمن إزالته.
يشير الخبراء إلى أن التعرض لمادة السيريوليد يمكن أن يسبب التقيؤ المفاجئ والغثيان والإسهاللوحظت هذه الأعراض لدى العديد من الرضع المصابين. وفي الرضع الصغار جدًا أو أولئك الذين يعانون من حالات صحية سابقة، يمكن أن تؤدي هذه الأعراض إلى الجفاف السريع والمضاعفات الخطيرة إذا لم تتصرف بسرعة.
وبسبب هذه الخصائص، الوكالة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) وقد قامت السلطات التنظيمية الأخرى في الأشهر الأخيرة بمراجعة الحدود القصوى المسموح بها لهذا السم في المنتجات الغذائية، مع إيلاء اهتمام خاص لتلك المخصصة للرضع.
في بداية شهر فبراير، قررت المؤسسات الأوروبية تقليل عتبات التسامح بسبب مادة السيريوليد في أغذية الأطفال. وقد أجبر هذا القرار الشركات في هذا القطاع على إعادة تقديم العديد من الدفعات للتفتيش والمضي قدماً في عمليات سحب احترازية إضافيةحتى في الحالات التي لم يتم فيها تأكيد وجود السم.
الهدف هو تقليل أي مخاطر محتملة على الفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك أولئك الرضع الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة والذين يعتمدون بشكل شبه كامل على الحليب الصناعي عندما يتعذر إرضاعهم طبيعياً أو عندما يتم استكمال الرضاعة الطبيعية بمنتجات تجارية.
عمليات سحب جماعية وردود فعل الشركات
تم إطلاق الإنذار في منتصف ديسمبرعندما بدأت شركة نستله، إحدى الشركات متعددة الجنسيات الكبرى في هذا القطاع، انسحابها من عشرات الدفعات من حليب الأطفال في حوالي 60 دولة بسبب احتمال وجود مادة السيريوليد. وشملت الأسواق المتأثرة العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى دول في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى.
وبعد ذلك بوقت قصير، قامت شركات أخرى ذات صلة في قطاع الألبان، مثل دانون ولاكتاليسأُجبروا على مراجعة سلاسل التوريد الخاصة بهم وسحب دفعات محددة لأسباب مماثلة. وقد عُرضت هذه الإجراءات على أنها تدابير وقائية، بحجة أنه من الأفضل سحب أي منتج يحتمل أن يكون متأثراً قبل الحصول على دليل قاطع.
لم تقتصر عمليات سحب المنتجات على العلامات التجارية الأكثر شهرة. الشركات المصنعة الصغيرة وعلامات التوزيع التجارية كما قامت الشركات التي تسوق حليب الأطفال تحت علامات تجارية خاصة بعمليات سحب المنتجات ونشرت قوائم بأرقام الدفعات لتسهيل التعرف عليها من قبل المستهلكين.
وتؤكد الشركات المعنية أنها تتعاون بشكل وثيق مع السلطات الصحية والمختبرات المستقلة من أجل لتحديد مصدر التلوث المحتملوالتي قد تكون مرتبطة بمراحل معينة من عملية الإنتاج أو بأعطال محددة في أنظمة التحكم.
في غضون ذلك، انتقدت منظمات المستهلكين وجمعيات العائلات طريقة التعامل مع المشكلة، بحجة أن كانت عمليات السحب متأخرة والتواصل غير واضح في المراحل المبكرة من الأزمة، الأمر الذي كان سيترك العديد من الآباء والأمهات بدون معلومات كافية لاتخاذ القرارات.
التأثير في إسبانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي
وقد ترتبت على التحذيرات المتعلقة باشتباه تلوث حليب الأطفال عواقب مباشرة في إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرىفي الأراضي الإسبانية، سجلت الخدمات الصحية ثمانية أطفال على الأقل يعانون من أعراض معوية بعد استهلاك منتجات تم إدراجها لاحقاً في قوائم الاستدعاء.
من بين تلك الحالات، ورد أن احتاج خمسة رضع إلى دخول المستشفى نُقلوا للمراقبة والعلاج، لا سيما بسبب الجفاف الناتج عن القيء والإسهال. وبحسب المعلومات التي قدمتها السلطات، فقد تعافى جميعهم بشكل جيد وغادروا المستشفى دون أي آثار جانبية خطيرة طويلة الأمد.
تُعد إسبانيا من بين الدول الأوروبية التي تم بيع بعض الدفعات التي استدعتها الشركات المصنعة الكبرى.لذلك، أصدرت الهيئات الوطنية لسلامة الأغذية إشعارات توضح بالتفصيل المنتجات المتأثرة ورموزها الشريطية وأرقام دفعاتها.
على مستوى المجتمع المحلي، المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها (ECDC) وقد صنّفت هيئات فنية أخرى المخاطر الحالية بأنها متوسطة، على الرغم من أنها لا تزال تؤكد على ضعف شديد لدى الرضعوخاصة أولئك الذين تقل أعمارهم عن ستة أشهر وأولئك الذين يعانون من حالات مرضية سابقة.
أدت الأزمة إلى إعادة فتح النقاش حول إمكانية التتبع والشفافية في صناعة تغذية الرضعوكذلك بشأن الحاجة إلى تحسين قنوات الاتصال مع العائلات عند وقوع حوادث تؤثر على مثل هذه المنتجات الاستهلاكية الحساسة.
ردود الفعل القانونية والضغط الاجتماعي
في فرنسا، لم تؤد القضية إلى تحقيقات صحية فحسب، بل إلى الدعاوى القضائية التي رفعتها العائلات المتضررة ومنظمات المستهلكينقامت منظمة Foodwatch غير الحكومية، إلى جانب العديد من الآباء الذين تناول أطفالهم التركيبات الغذائية قيد التحقيق، بتقديم شكاوى ضد الدولة والشركات المصنعة المعنية.
وتزعم هذه الدعاوى القضائية أن السلطات العامة والشركات لم يتصرفوا بالسرعة اللازمة عند إصدار أوامر سحب المنتجات وإبلاغ الجمهور، الأمر الذي كان من شأنه أن يزيد من عدد الأطفال المعرضين للمنتجات المشتبه بها.
وتشير الدعاوى القضائية أيضاً إلى احتمالات إخفاقات في أنظمة الإنذار المبكر وفي التنسيق بين مختلف البلدان التي تم توزيع الدفعات فيها، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤخر نشر تحذيرات واضحة ومتجانسة للمستهلكين.
من الناحية المؤسسية، تؤكد كل من وزارة الصحة الفرنسية والوكالات الأوروبية أنها تصرفت وفقًا لـ مبدأ الحيطة والحذر والبروتوكولات الحاليةوأن التحقيقات الجارية ستساهم في تحديد المسؤولية في حال ثبوت أي إهمال.
على أي حال، زاد الضغط الاجتماعي من الطلب على تعزيز ضوابط الجودة في إنتاج حليب الأطفال ومراجعة إجراءات سحب المنتجات والتواصل بشأن المخاطر، من أجل تقليل تعرض القاصرين للملوثات المحتملة.
ما ينبغي على الآباء ومقدمي الرعاية مراعاته
في ضوء هذا السيناريو، توصي السلطات الصحية العائلات بالحفاظ على هدوئها، ولكن أيضاً... يتوخون الحذر بشكل خاص فيما يتعلق بحليب الأطفال الصناعي الذي يقدمونه لأطفالهمتتمثل الخطوة الأولى في التحقق مما إذا كان المنتج المستخدم مدرجًا ضمن الدفعات المسحوبة، والمتوفرة على المواقع الصحية الرسمية ومواقع العلامات التجارية نفسها.
إذا كنت في شك، فمن المستحسن يجب التوقف فوراً عن استخدام المنتج المشتبه به والتوجه إلى طبيب الأطفال أو المركز الصحي للحصول على التوجيه، خاصة إذا عانى الطفل من أي اضطراب هضمي غير عادي بعد الرضاعة.
تشمل العلامات التحذيرية التي تستدعي استشارة طبية فورية ما يلي: التقيؤ المستمر، إسهال حادفساداستمرار رفض الرضاعة وظهور علامات الجفاف مثل البكاء بدون دموع، وجفاف الفم الشديد، أو عدد أقل من الحفاضات المبللة عن المعتاد.
يذكرنا أطباء الأطفال بأنه لا ينبغي مقاطعة إرضاع الطفل دون وجود بديل آمن، لذا يُفضل استشر طبيبك دائمًا قبل تغيير التركيبة أو لتعديل جدول التغذية، خاصة عند الرضع الصغار جداً أو أولئك الذين لديهم احتياجات خاصة.
يمكن للعائلات التي تستخدم تركيبات الحليب غير المتأثرة بعمليات السحب الاستمرار في استخدامها كالمعتاد، على الرغم من أن السلطات تشجع على ذلك. تابع الإعلانات الرسمية بانتظام في حال تم توسيع قوائم المنتجات قيد التحقيق أو تم تقديم توصيات جديدة.
سلطت هذه الحلقة الضوء على الحساسية الهائلة المحيطة بتغذية الأطفال الصغار وأهمية وجود أنظمة مراقبة مرنة، وعمليات سحب سريعة، ومعلومات واضحة للمواطنين عند اكتشاف أي خطر محتمل في منتجات أساسية مثل حليب الأطفال.