يخزن جسم الإنسان معلومات أكثر مما نتصور عادةً. الأدوية المنسية، والحبوب التي يتم تناولها دون إخبار الطبيب، والمواد التي يتم تناولها دون علم. يمكن أن تبقى هذه المواد في الدم أو الجلد أو البول لأسابيع. وحتى الآن، كان جزء كبير من هذا التعرض يمر دون اكتشاف، لكن مشروعًا علميًا دوليًا طور أداة قادرة على تحديد العديد من هذه المركبات.
بل هو مكتبة رقمية عامة تحدد بدقة الأدوية والمواد الكيميائية الأخرى الموجودة في العينات البيولوجية والبيئيةتتيح هذه المنصة للعاملين في مجال الرعاية الصحية والباحثين معرفة الأدوية الموجودة بالفعل في الجسم، ومن أين قد تأتي، وكيف يمكن أن تؤثر على الصحة - وهو أمر بالغ الأهمية في الممارسة السريرية اليومية وفي دراسات الغذاء والبيئة.
مشكلة الأدوية التي لا يتذكر أحد تناولها
هناك أسباب عديدة لظهور الأدوية في الجسم. بعض الناس يلتزمون التزاماً صارماً بالعلاج الموصوف، ولكن هناك أيضاً أسباب أخرى كثيرة. العلاج الذاتي، واستخدام الأدوية المتبقية المخزنة في المنزل، و التسوق عبر الإنترنت بدون إشراف طبيويتفاقم هذا الوضع بسبب وجود المضادات الحيوية في اللحوم، ومخلفات المبيدات في الفواكه والخضراوات، والملوثات في مياه الشرب.
في التمرين، كثير من الناس لا يبلغون عن كل ما يتناولونه أو ببساطة لا يتذكرون.مع ذلك، قد تبقى هذه المركبات في الجسم: في الدم، أو البول، أو الجلد، أو حتى حليب الثدي. بالنسبة للأطباء، يُعقّد هذا النقص في المعلومات الموثوقة عملية التشخيص، ومراقبة العلاج، والكشف عن التفاعلات الدوائية الخطيرة المحتملة.
لسنوات، اضطرت الأنظمة الصحية إلى العمل بنوع من الصورة الضبابية لكل مريض، أي مجموعة المواد التي تعرض لها. لم يكن معروفاً سوى جزء صغير من المركبات الموجودة في الجسم.مما جعل من المستحيل تقريبًا معرفة الأدوية المختلفة التي كانت تدور في جسم كل فرد.
في مواجهة هذا السيناريو، طرح اتحاد دولي من الخبراء سؤالاً غير مريح ولكنه جوهري: هل من الممكن معرفة الأدوية والمواد الكيميائية الموجودة في الجسم بشكل موضوعي، بخلاف ما يصرح به المريض؟ وقد جاء الحل على شكل منصة مفتوحة مصممة لإضفاء بعض النظام على فوضى الجزيئات تلك.
مشروع عالمي بقيادة كاليفورنيا وبمشاركة أوروبية
وقد قاد تطوير هذه الأداة باحثون من جامعة كاليفورنيا، سان دييغو (الولايات المتحدة الأمريكية)بالتعاون مع فرق من دول عديدة. وقد نُشرت النتائج في المجلة العلمية. طبيعة الاتصالاتوهذا يدعم متانة المنهجية والنتائج.
علماء من الولايات المتحدة، النرويج، جمهورية التشيك، النمسا، بلجيكا، فنلندا، إسبانيا، كندا، البرازيل، وسويسرامن بين أمور أخرى. إن مشاركة المراكز الأوروبية، بما في ذلك تلك الموجودة في إسبانيا، تعزز اهتمام المجتمع العلمي في القارة بالحصول على أدوات تسمح بتوصيف أفضل للتعرض للأدوية والملوثات.
يعمل المسؤولون عن هذه المبادرة في مجال علم الأيض، وهو التخصص الذي يدرس المركبات الكيميائية الصغيرة الموجودة في الكائنات الحيةبخلاف الأساليب الأخرى التي تركز بشكل أكبر على الجينات أو البروتينات، يركز علم الأيض على الجزيئات النهائية التي تدور بالفعل في الجسم، والعديد منها مشتق من الأدوية أو الطعام أو البيئة.
حتى الآن، وحتى مع التقنيات المتقدمة، لم يتم التعرف إلا على جزء محدود من جميع المواد التي تم اكتشافها في العينات.يجمع النهج الجديد بين قاعدة بيانات ضخمة من "البصمات الكيميائية" وأساليب التحليل الآلي لزيادة نسبة المركبات التي يمكن التعرف عليها بشكل كبير.

مكتبة GNPS للأدوية: مكتبة تحفظ البصمات الكيميائية
جوهر المشروع هو مكتبة الأدوية التابعة لـ GNPSمكتبة رقمية مفتوحة الوصول لا تخزن الكتب، ولكن الأطياف الكتلية: "البصمات الكيميائية" لآلاف الأدوية والمنتجات ذات الصلةيترك كل دواء نمطًا مميزًا عند تحليله بواسطة مطياف الكتلة، ويتم تسجيل هذا النمط في قاعدة البيانات.
الإجراء بالنسبة للمستخدم بسيط نسبياً. يمكن للأطباء أو الباحثين أو فنيي المختبرات القيام به قم بتحميل البيانات التي تم الحصول عليها من عينة من الدم أو البول أو اللعاب أو الجلد أو الطعام أو الماءيقوم النظام تلقائيًا بمقارنة هذه الأطياف مع تلك التي قام بتخزينها، ويعرض المواد التي تتطابق مع كل إشارة تم اكتشافها.
إن التكنولوجيا التي تجعل ذلك ممكناً هي مطياف الكتلة، وهي تقنية تفصل الجزيئات وفقًا لوزنها وشحنتهامن خلال تحليل كيفية تجزئة الجزيئات في الجهاز، يتم الحصول على نوع من الباركود الكيميائي الذي تستخدمه المكتبة لتحديد المركبات بدقة عالية جدًا.
لا تقتصر وظيفة الأداة على تحديد ما إذا كان الدواء موجودًا أم لا، بل توفر أيضًا معلومات حول أصله، واستخداماته، والفئة الدوائية التي ينتمي إليها، وكيفية عملهوبهذه الطريقة، يمكن تفسير النتائج حتى من قبل المهنيين غير المتخصصين في الصيدلة أو الكيمياء الحيوية، مما يسهل دمجها في الممارسة السريرية ودراسات الصحة العامة.
كما أوضح الباحث نينا تشاو، إحدى المؤلفات المشاركات في هذا العملتم تصميم عملية الاستعلام لتكون مباشرة قدر الإمكان: ما عليك سوى تحميل مجموعة البيانات، وبنقرة واحدة، يقوم النظام بإرجاع قائمة الأدوية والمركبات التي تم اكتشافها في العينة، بالإضافة إلى المعلومات المرتبطة بكل منها.
ماذا كشفت الاختبارات التي أجريت على المرضى والبيئة؟
وللتحقق من أن المكتبة تعمل في ظروف العالم الحقيقي، قام الفريق بتحليل عينات بيولوجية وبيئية من حوالي 2.000 شخص في الولايات المتحدة وأوروبا وأسترالياتمكنت هذه الدراسات من تحديد 75 دواءً مختلفاً، معظمها الأكثر وصفاً في كل منطقةمما سمح لنا بتتبع أنماط الاستخدام والتعرض.
في الناس مع أمراض الأمعاء، أو تسوس الأسنان، أو مشاكل هضمية أخرى تم الكشف عن مضادات حيوية متوافقة مع العلاجات الموصوفة. وينطبق الأمر نفسه على مرضى داء كاواساكي، وهو مرض التهابي نادر: فقد حددت الأداة الأدوية المستخدمة في علاجاتهم، ما يُعد بمثابة اختبار للتأكد من اتساق العلاج.
في مجال طب الأمراض الجلدية، تم العثور على مضادات الفطريات في جلد الأشخاص المصابين بالصدفية وغيرها من الأمراض الجلدية، بما يتماشى مع العلاجات القياسية. لدى المرضى الذين يعانون من مرض الزهايمر ظهرت سمات تتوافق مع الإرشادات السريرية: حيث لوحظ استخدام أدوية القلب والأوعية الدموية والأدوية التي تستهدف الحالة المزاجية.
في حالة الأشخاص الذين يعانون من فيروس نقص المناعة البشريةأتاحت المكتبة إمكانية تحديد كليهما مضادات الفيروسات المحددة كعلاجات مرتبطة بأمراض شائعة أخرى في هذه المجموعةيعكس وجود هذه المركبات التركيبات الدوائية المعقدة التي تستخدم عادة في هذا النوع من المرضى.
كما كشف التحليل عن اختلافات جغرافية وجنسانية. أظهرت العينات من الولايات المتحدة متوسط عدد أدوية أعلى لكل شخص بالمقارنة مع المناطق الأخرى. علاوة على ذلك، لوحظ استخدام أكثر تواتراً للمسكنات لدى النساء، بينما استخدم الرجال أدوية لعلاج ضعف الانتصاب بشكل أكثر تواتراً.
التعرض الصامت من خلال النظام الغذائي والبيئة
لا تقتصر فائدة مكتبة الأدوية التابعة لشبكة مراقبة الأدوية العالمية (GNPS) على مراقبة العلاجات الطبية فحسب، بل ركز جزء كبير من العمل على عينات من الأغذية والبيئة، بهدف تقييم حالات التعرض غير الطوعي التي قد تمر دون ملاحظة في الاستبيانات التقليدية.
كشفت تحليلات متنوعة المضادات الحيوية في منتجات اللحومتتفق هذه النتيجة مع استخدام هذه الأدوية في تربية الماشية، وتثير تساؤلات حول دور النظام الغذائي في تطور مقاومة البكتيريا. وشملت النتائج الأخرى... بقايا المبيدات في الخضراواتيمثل هذا مصدر قلق خاص في أوروبا، حيث أن اللوائح المتعلقة بالنفايات الزراعية صارمة ولكنها ليست معصومة من الخطأ.
كما تم تطبيق الأداة على عينات المياه وغيرها من المواد البيئيةحيث تم تحديد مواقع المركبات الكيميائية المشتقة من الأدوية ومنتجات النظافة والتنظيف. وتتيح هذه النتائج إنشاء خرائط أكثر دقة للتلوث الكيميائي الذي تتعرض له مختلف الفئات السكانية.
في السياق الأوروبي، يمكن أن يكون هذا النوع من المعلومات ذا أهمية خاصة لأنظمة مراقبة الأغذية والبيئة، بما في ذلك تلك الموجودة في إسبانيا. للحصول على صورة مفصلة للمواد التي تصل إلى الطاولة أو الصنبور فهو يسهل عملية صنع القرار التنظيمي وتقييم الأثر الحقيقي لسياسات سلامة الأغذية.
بالنسبة لعامة السكان، على الرغم من أن النتائج لا تشير بالضرورة إلى وجود خطر مباشر، إلا أنها تسلط الضوء على ذلك. إن التعرض اليومي لبعض المركبات أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.وأن الأدوات من هذا النوع يمكن أن تساعد في تحسين كل من التوصيات الغذائية واستراتيجيات الوقاية.

تطبيقات في المستشفيات والبحوث والصحة العامة
إحدى نقاط القوة الكبيرة لهذه المكتبة الرقمية هي تنوع استخداماتها. في البيئة السريرية، يمكن أن يساعد ذلك في التحقق مما إذا كان المرضى يلتزمون بالفعل بالعلاجات الموصوفة.يُعد هذا الأمر مفيدًا بشكل خاص في الأمراض المزمنة حيث يكون الالتزام بتناول الأدوية أمرًا أساسيًا لتجنب المضاعفات.
علاوة على ذلك، من خلال تحديد الأدوية غير المدرجة في السجل الطبي، تتيح هذه الأداة الكشف عن التفاعلات الدوائية المحتملة. والتي قد تمر دون ملاحظة لولا ذلك. وهذا يمنح المتخصصين في الرعاية الصحية هامشًا إضافيًا لتعديل الجرعات، أو استبدال الأدوية، أو مراجعة التركيبات التي قد تزيد من خطر الآثار الجانبية.
في مجال الصحة العامة، تفتح المكتبة الباب أمام دراسات أكثر تفصيلاً حول الاستهلاك الفعلي للأدوية في مختلف الفئات السكانيةوبالإضافة إلى بيانات المبيعات أو الوصفات الطبية، فإنها تسهل أيضًا مراقبة التعرض للمواد الخطرة المحتملة من الطعام أو الماء أو منتجات النظافة الشخصية - وهي قضية تثير قلقًا متزايدًا لدى السلطات الصحية الأوروبية.
في مجال البحث، يمكن دمج البيانات التي تولدها مكتبة الأدوية التابعة لشبكة GNPS مع المعلومات الجينية والسريرية والبيئية للتقدم نحو طب أكثر تخصيصًاإن معرفة المركبات التي تنتشر في جسم كل شخص على وجه التحديد تسمح بتصميم دراسات أكثر تخصيصًا واستكشاف كيفية تأثيرها على الاستجابة للعلاجات.
كل هذا يجعل هذه الأداة مورداً قيماً محتملاً لـ المستشفيات والجامعات ومراكز البحوث من إسبانيا وبقية أوروبا، حيث يتزايد الاهتمام بدمج بيانات علم الجينوم والسجلات الصحية الإلكترونية والسجلات البيئية.
القيود الحالية ودور الذكاء الاصطناعي
على الرغم من القفزة النوعية التي تمثلها هذه المكتبة الرقمية، يشير مؤلفو العمل أنفسهم إلى أن النظام ليس مثالياًهناك أدوية نادرة للغاية، أو تركيبات أقل استقراراً، أو مركبات تتحلل بسرعة ولا يزال من الصعب تحديدها بشكل موثوق.
وللتغلب على هذه القيود، يعمل الفريق على توسيع قاعدة البيانات باستمرار ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعييمكن للخوارزميات أن تساعد في التعرف على الأنماط الأقل وضوحاً، واقتراح التطابقات المحتملة، وتسريع معالجة كميات كبيرة من المعلومات.
ومن العناصر الرئيسية الأخرى للمشروع نهجه التعاوني. يمكن لأي مجموعة بحثية أو مختبر تحميل بيانات جديدة والمساهمة في إثراء المكتبة بمزيد من البصمات الكيميائية، مما يساعد النظام على التحسن مع الاستخدام والتكيف مع سياقات مختلفة للغاية.
وفي الوقت نفسه، يؤكد الباحثون على أهمية تفسير النتائج بحذر ودائماً بالاقتران مع المعلومات السريرية والبيئية لكل حالة. إن اكتشاف مركب ما لا يعني بالضرورة وجود مشكلة صحية.لكنها توفر دليلاً قيماً لفهم ما يحدث في الجسم بشكل أفضل.
إن إمكانية الحصول، ببضع نقرات فقط، على قائمة مفصلة بالأدوية والمواد الكيميائية الموجودة في العينة تمثل نقطة تحول. المكتبة الرقمية التي تكشف عن المخدرات المخفية في الجسم إنها تبرز كأداة من شأنها أن تغير كلاً من طريقة إجراء البحوث وطريقة التعامل مع الطب الشخصي والرصد البيئي في السنوات القادمة.